يُعد بناء وادي السليكون أحد أكثر الظواهر الملحوظة في الاقتصاد الحديث. قبل الحرب العالمية الثانية، لم يكن هناك ما يسمي بوادي السليكون. كانت معظم مختبرات الأبحاث وجهود الابتكار في أمريكا تتمركز في الساحل الشرقي، وليس في منطقة خليج سان فرانسيسكو. ومع ذلك، أصبح وادي السليكون المركز الرائد في العالم للتكنولوجيات الجديدة والناشئة في غضون فترة قصيرة. يُعد هذا الأمر مثيرًا للدهشة. لم يكن هناك مثل هذا الإنجاز في أي بلد آخر. ونتيجةٌ لذلك، يعمل الحكومات وصانعي السياسات وخبراء الأعمال في جميع أنحاء العالم على دراسة نموذج وادي السليكون لكي يحاكوا نفس القصة في مناطقهم. إذاً ما هي قصة منشأ وادي السيليكون؟ وكيف حصل الوادي على هذه التسمية؟ وكيف أصبح عاصمة ريادة الأعمال في الولايات المتحدة، والذي يحوي على أكثر من 50٪ من مجموع تمويل رأس المال الاستثماري (Venture Capital) في البلاد

من المثير للاهتمام، على الرغم من عدم وجود قصة واحدة مترابطة لكيفية نشأة وادي السيليكون، هناك بعض الآراء التي يُعد بعضها جزءًا لا يتجزأ من نجاحه. سمحت هذه العناصر ببناء النظام البيئي المتماسك لريادة الأعمال التي ساعدت في تشكيل وادي السيليكون كما نعرفه اليوم ألا وهي:

  • مركز أبحاث في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)
  • جامعات قوية، حيث تلعب جامعة ستانفورد بشكلٍ خاص دورًا كبيرًا.
  • الإنفاق الحكومي الثابت، لاسيما من قبل قوات الدفاع الامريكية ووكالة المخابرات المركزية، ووكالة الأمن القومي وكالة ناسا.
  • رأس المال الاستثماري الوفير
  • الثقافة التي تشجع العمل الحرّ

قبل أن نمضي في سرد قصة الوادي، أود الإشارة إلى أمرين. أولًا، تستند القصص الواردة بشكلٍ أساسي إلي محاضرة ألقاها ستيف بلانك بعنوان التاريخ السري لوادي السيليكون، متاحة على موقع اليوتيوب. أوصيكم بالبحث عنها. ثانيًا، يهدف هذا المقال أن يكون تحليلًا لكيفية نشأة النظام البيئي لريادة الأعمال في وداي السيليكون ولا يُعد استعراضًا أكاديميًا شامل للأحداث التاريخية. ونتيجة لذلك، سوف تجد أنني أقوم بتبسيط بعض الأحداث التاريخية التي لا ترتبط بشكل مباشر بقصتنا. والآن نعود مرة أخرى إلى وادي السليكون …

ويليام شوكلي Willian Shockley

يعود اسم الوادي إلى ويليام شوكلي، والذي يعده الكثير بصفته والد وادي السليكون. في عام 1947، اخترع شوكلي بالإضافة إلي فريق من الباحثين ترانزستور نقطة الاتصال. بالنسبة لأولئك الذين لا يعرفون، الترانزستور عبارة عن جهاز” شبه موصل” يتحكم في تدفق الكهرباء، مصنوع عادة من السيليكون. كان اختراع الترانزستور حدثًا ضخمًا! فهو في الواقع المكون الأساسي الذي مكن للمهندسين من تطوير مختلف أنواع الأجهزة الالكترونية التي نستخدمها الآن على أساس يومي مثل أجهزة الكمبيوتر والهواتف والتلفاز. لكن دعونا لا نسبق الاحداث. نعود مرة أخرى إلى شوكلي، بعد مسيرته في البحث، قرر أن ينتقل إلى ماونتن فيو، كاليفورنيا للعيش بالقرب من أمه المريضة وبدء مختبر أشباه موصلات شوكلي، أول شركة لأجهزة أشباه الموصلات القائمة على السيليكون في عام 1956.

أشباه موصلات فيرتشايلد (Fairchild Semiconductors)

كان شوكلي رجل ذكي، فقد حائز على جائزة نوبل، واستطاع أن يوظف فريث متكامل من الأفراد الموهوبين. لكنه بالرغم من حنكته، إلا أنه اشتهر بهاراته الإدارية التعيسة. فبعد فترة وجيزة من إنشاء شركته، سئم ثمانية أعضاء من فريقه “الخونة الثمانية” من شوكلي وقرروا إنشاء شركتهم الخاصة لأشباه الموصلات، أشباه موصلات فيرتشايلد (Fairchild Semiconductors)، في عام 1957. والآن، في حال أنك لم تلاحظ، كان هذا يحدث في فترة الخمسينات. وفي ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة في حرب باردة مع الاتحاد السوفياتي. ولم تكن الحرب حرب عادية، حيث كان القتال يتم في جبهات غير عادية. والتي كانت أحدها، الفضاء الخارجي. وفي عام 1957، أطلق الاتحاد السوفياتي سبوتنيك 1، أول قمر صناعي تم إطلاقه بنجاح إلى مدار الأرض. دمر سبوتنيك نفسيات الأمريكيين. فقد كانت نكسة كبيرة في حرب أمريكا مع الاتحاد السوفيتي. وبشعور كبير من العجلة، قررت حكومة الولايات المتحدة إنشاء وكالة ناسا، بهدف إعداد البلاد للمرحلة المقبلة من سباق الفضاء، سباق الهبوط على سطح القمر. كان عمل وكالة ناسا مكثفًا، تطلب العديد من مكونات أشباه الموصلات ذات التقنية العالية. لحسن الحظ بالنسبة لفيرتشايلد، كانوا قادرين على بناء قدرات التصنيع الجماعية لأجهزة أشباه الموصلات التي كانت تلبي ما تحتاجه وكالة ناسا بالضبط.

ونتيجة لوجود شركة فيرتشايلد، أثارت هذه الصناعة. تم إنشاء أكثر من 65 شركة من شركات أشباه الموصلات، مما أدي إلي تسمية وادي السيليكون بهذا الاسم. ويمكن إرجاع كل هذه الشركات إلى أشباه الموصلات فيرتشايلد وفي نهاية المطاف إلى ويليام شوكلي. وما زالت بعض هذه الشركات معًا حتى اليوم والتي لا تزال الرائدة في الابتكار  التكنولوجي مثل شركة إيه إم دي، وشركة انتل وشركة نفيديا.

تاريخ وداي السيليكون وراء شوكلي

تروي لنا قصة شوكلي وفيرتشايلد كيف حصل الوادي على اسمه، ولكنها لا تخبرنا القصة الكاملة لكيف أصبح وادي السليكون مركزًا عالميًا لريادة الأعمال. ومن أجل الحصول على القصة كاملة، نحن بحاجة إلى العودة، وصولًا إلى الحرب العالمية الثانية. لذلك دعونا نبدأ بالمرور باختصار على بعض الأحداث الرئيسية ذات الصلة في الحرب العالمية الثانية.

الحرب العالمية الثانية: أول حرب الكترونية

في سبتمبر عام 1939، غزت ألمانيا بولندا، وأقلعت الحرب العالمية الثانية وشنت ألمانيا جنبًا إلى جنب مع بقية دول المحور هجومها على غزو أوروبا الغربية بأكملها. وقبل عام 1941، سيطرت ألمانيا بنجاح على فرنسا ونقضت معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفيتي، مما حدا بالاتحاد السوفيتي الانضمام إلى قوات الحلفاء مع الولايات المتحدة وبريطانيا. في حين قاد الاتحاد السوفيتي المعركة البرية على الجبهة الشرقية في ألمانيا، وقادت الولايات المتحدة وبريطانيا الحرب الجوية على ألمانيا من الجانب الغربي.

وكانت استراتيجية الحرب الخاصة ببريطانيا والولايات المتحدة الأميركية تتمثل في تعطيل قدرات الحرب في ألمانيا من خلال استهداف البنى التحتية للحرب الرئيسية. (على سبيل المثال مراكز التصنيع، البنية التحتية للنقل والقواعد العسكرية … وما إلي ذلك). ومن أجل القيام بذلك، أطلق الحلفاء الآلاف من القاذفات من المملكة المتحدة مع مجموعة أهداف لتدمير ألمانيا (القاذفات والطائرات العسكرية التي تحمل القنابل الكبيرة المصممة لمهاجمة الأهداف البرية والبحرية). ومع ذلك، ما جاء على حين غرة للحلفاء، أن المانيا كانت مستعدة جيدا. وكانت المانيا قد بنيت بنجاح نظام الدفاع الالكتروني الكبير المصنوع من أنظمة الرادار والمدفعية المضادة للطائرات والطائرات المقاتلة.

  • نظام الدفاع الالكتروني في ألمانيا
  • الكشف المبكر رادارات
  • رادارات واسعة النطاق
  • رادارات متنقلة
  • رادارات مثبتة على الطائرات
  • المدفعية المضادة للطائرات
  • المقاتلون (الطائرات العسكرية المصممة للقتال الجو- جو)

أثبت نظام الدفاع الألماني كونه فعالًا. وتم تدمير قوات الحلفاء، وفقدان حوالي 20٪ من طائراتهم في السنة الأولى. وأصبحت المطاردة الجوية للحلفاء مُكلفة للغاية من حيث المواد، والأهم من ذلك، من حيث الموارد البشرية. ومع إدراك كونهم مجهزين بشكلٍ رديء للغاية قررت الولايات المتحدة وبريطانيا بسرعة إنشاء معامل الأبحاث المتقدمة بهدف تطوير نظم الجريمة الالكترونية الخاصة بهم لتكون قادرة على تفتيت قوات الدفاع الألمانية. وما بدأ كأسطول من قاذفات القنابل الأساسية في عام 1941، أنتهي كقوة جوية متطورة مع القاذفات، أنظمة الاستخبارات الذكية الالكترونية (الاستخبارات الالكترونية)، المقاتلين، وأنظمة الرادار المعقدة وأنظمة الرادار المضاد للقياس. وبحلول عام 1943، أكتسب الحلفاء العزم وبحلول عام 1945، فاز الحلفاء بالحرب.

لذا، ما هو المهم في هذه الحرب؟ كانت الحرب العالمية الثانية هي الحرب الالكترونية الأولى. حيث ساعدت الحرب العالمية الثانية على إدراك القوى العالمية أن التقدم التكنولوجي كان عاملًا رئيسيًا للتفوق العسكري. فالقوة العسكرية لا تعتمد فقط على حجم الآلات والجنود بعد الآن، ولكن بدلًا من ذلك تعتمد على النهوض بالبنية التحتية العلمية والتكنولوجية. وكان مختبر البحوث الأكثر أهمية الفعال خلال الحرب العالمية الثانية هو مختبر أبحاث راديو جامعة هارفارد (RRL)، الذي عمل من 1941- 1945 في جامعة هارفارد. وتم توجيه المختبر من قبل فريدريك تيرمان، أستاذ الهندسة في جامعة ستانفورد. بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945، انتقل تيرمان مرة أخرى إلى ستانفورد حيث أصبحت الأمور مثيرة للاهتمام بالنسبة للوادي.

See Also

فريدريك تيرمان وجامعة ستانفورد

ربما قد سمعت المثل: الحاجة أم الاختراع. بسبب الحرب العالمية الثانية، استطاع البشر على القيام بقفزات كبيرة في مجال الراديو والالكترونيات. وكان مختبر أبحاث الراديو لجامعة هارفارد يتولى الصدارة في هذا المجال. بعد انتهاء الحرب، تم حل المختبر، لكن سعى المدير، فريدريك تيرمان، لمواصلة عملية التقدم وكان عازمًا على قيادتها في ستانفورد. ولحسن حظه، تم تعيينه عميد ستانفورد لكلية الهندسة في عام 1946 وعلى الفور، بدأ تيرمان بالعمل. فقام بتوظيف 11 من العلماء السابقين في مختبر أبحاث راديو جامعة هارفارد بصفتهم أعضاء جدد في كلية ستانفورد. وواجه تيرمان فاصل آخر. الحرب الباردة. وجدت الحكومة الأمريكية نفسها في حرب الكترونية ثانية، وهذه المرة ضد الاتحاد السوفيتي. وسرعان ما أدرك تيرمان خطورة الوضع واستخدم نفوذه المكتسب من الحرب العالمية الثانية لتوجيه موارد الحكومة الأمريكية تجاه ستانفورد. وعلى الفور، عملت الجامعة على بناء مختبرات الهندسة المتقدمة، لتصبح “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الساحل الغربي”. أثبتت أبحاث ستانفورد كونها الاختراعات الرئيسية المتطورة الفعالة المستخدمة خلال الحرب الباردة. أصبح ستانفورد المركز الرئيسي للتميز لقوة دفاع الولايات المتحدة، وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي. وفي عام 1955، أصبح تيرمان رئيس مجلس ستانفورد.

والآن نكون قد وصلنا إلى النقطة التي تفصل تيرمان وستانفورد عن الجامعات الأخرى. لم تكن ستانفورد وحدها  الجامعة البحثية المركزة، ولكن تيرمان كان يتبني فلسفة فريدة من نوعها. يسلط ستيف بلانك، مبادر وأستاذ ريادة الأعمال في جامعة ستانفورد، الضوء على ما يلي حول تيرمان:

  • شجع طلابه الخريجين لبدء شركاتهم الخاصة بدلًا من السعي وراء الدكتوراه
  • شجع الأساتذة للتشاور بخصوص الشركات والجلوس في مجالس إدارات الشركات
  • جعل نقل التكنولوجيا والملكية الفكرية سهلًا
  • قدم فكرة أن الخروج إلى العالم الحقيقي كان جيدا لحياتك المهنية الأكاديمية، وليس فقط المهنية.

وهذا هو الوقت الذي نرى عنده تيرمان يقوم بتشغيل محرك ريادة الأعمال في وادي السليكون. وهذه أيضًا هي النقطة التي تتلاقي عندها القصتين، قصة شوكلي وتيرمان. وبسبب التقدم التكنولوجي في جامعة ستانفورد ونفوذ تيرمان، تم إنشاء موجة من شركات التكنولوجيا التي تخدم عملاؤها من مختلف الجهات الحكومية مثل الجيش ووكالة المخابرات المركزية، وكالة الأمن القومي، وكما ذكرنا من قبل، وكالة ناسا. وتشمل بعض من أكثر الشركات البارزة مثل هيوليت باكارد (HP)، صناعات ليتون وأشباه موصلات فيرتشايلد. والآن، من المؤكد أنك لاحظت أن ريادة الأعمال قد بدأت في التبلور. ومع ذلك، هناك فارق هام بين وادي السيليكون في عام 1950 وعام 1960 ووادي السيليكون الحالي. فوادي السيليكون تحركه الحكومة. وفي ذلك الوقت، تم تأسيس معظم شركات التكنولوجيا في الوادي لخدمة المبادرات الحكومية المختلفة، ومعظمها ذات الصلة بالحرب الباردة. لذا فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو كيف تحول الوادي من كونه يتم تحركيه من قبل الحكومة إلي كونه يدفعه تحقيق الربح؟ وهذا هو الجزء التالي من قصتنا.

التحول من كونه مدفوعًا من الحكومة إلى كونه مدفوعًا بالأرباح  

في أواخر عام 1950، بدأت الشركات الناشئة في طرح اسهمها للجمهور (مثل HP). الأمر الذي استرعي انتباه المستثمرين. وفجأة، أصبح الناس مهتمين بالوادي وشركات التكنولوجيا الموجودة فيه. ونتيجة لذلك، قرر المستثمرون، الصناديق العائلية بشكل أساسي، إنشاء شركات رأس المال الاستثماري المكرسة تجاه الاستثمار في الشركات التكنولوجيا المبتكرة الناشئة. ولا زالت بعض من تلك الشركات قائمة حتى وقتنا الحالي، وأبرزها تشمل كلينر، بيركنز، وسيكويا كابيتال. وأخيرًا، وضعت الحكومة الأمريكية سياستين واللذان أثبتا كونهم حيويين في تشجيع الاستثمار الرأسمالي. أولًا، انخفضت الضرائب على أرباح رأس المال من 50٪ إلى 28٪ في عام 1978. ثانيًا، تم السماح لصناديق التقاعد بتخصيص 10٪ من أموالها نحو رأس المال الاستثماري. وفي أوائل عام 1980، تحول محرك ريادة أعمال وادي السليكون من التشغيل على الإنفاق الحكومي نحو الربح. وما هو جدير بالملاحظة حول الاستثمارات الرأسمالية هو أنها غيرت عقلية رجال الأعمال. تمت إدارة رأس المال الاستثماري على تحقيق عائدات مرتفعة، والذي بدوره يدفع رجال الأعمال لاستهداف الأسواق الوطنية والعالمية لأقصى قدر من الربحية. وهذه العقلية هي التي جعلت وادي السليكون مركز مؤثر للسوق العالمي بأكمله.

وكما ترون، لم يكن هناك هيئة حاكمة تقوم بالإشراف على عملية بناء وادي السليكون. ولحسن حظ الوادي، جاءت بعض الأحداث التاريخية والأفراد الرئيسيين معًا لغرس مختلف عناصر النظام البيئي. ويُعد دور الحكومة أيضًا جدير بالذكر، وخاصة في وضع البنى التحتية الأولية للنظام البيئي. ودائمًا ما كان تدخل الحكومة قضية مثيرة للجدل عندما يتعلق الأمر بالتنمية الاقتصادية. ودون أدنى شك، يمكن أن تقربنا قصة وادي السيليكون نحو فهم أدوار كل كيان ينبغي أن يتبني بناء اقتصادات وأسواق جديدة.

This is also available in الإنجليزية if you'd like.

Bahrain-based digital platform and publication for startups in the Middle East. Exclusive events, in-depth workshops, insightful content, and informative news. In strategic partnership with Tamkeen Bahrain, Zain Bahrain, National Bank of Bahrain, Zoho, Tenmou, and StartUp Bahrain.

Startup MGZN © 2020. All Rights Reserved.