من أنا؟

“هل ترغب في معرفة ذاتك؟ لا تسأل عن ذلك، بل افعل! الفعل سيحدد شخصيك ويعرّفها” …توماس جيفرسون.


ها أنا ذا، أحدق في التلفاز، أقاسي الويلات، وغير قادر حتى على التنفس. بالكاد أستطيع المشي نحو الحمام دون محاربة الظلمة التي تسللت إلى عينيّ. أقبض بيدي على المغسلة لأدعم نفسي أثناء النهوض، وآخذ نفساً عميقاً. أفكر في نفسي لا يمكن لي أن أسقط هنا، فلا يمكن لأحد أن يسمعني حينها. استجمعت قوايَ قدر المستطاع ومشيت بتثاقل نحو الأريكة مجدداً، لا تزال البطانية دافئة. تركت هاتفي صامتاً لأيام، وهناك مئات الرسائل والمكالمات الفائتة، ناهيك عن من تواصلوا معي عبر منصات التواصل الاجتماعي، كل ذلك يحتاج مني المتابعة. الأشخاص الذين يعرفونني بحق أرسلوا لي رسائل اتسمت بالقصر ولا تتطلب الإجابة، فقط تمنوا لي الخير. وآخرون تطلبت رسائلهم إجابات تفصيلية حول حالتي. لن أشغل بالي حتى بالتفكير بهاتفي الآن، أرغب فقط في أخذ قسط من الراحة وأنا أميل برأسي إلى طرف الأريكة وأندمج ببرنامج “American Pickers” ، وهو برنامج بسيط فيه شخصان يجولان أمريكا لبيع وشراء الخردوات. كنت أشعر بالموت يرقد إلى جانبي، ولكني اعتدت على تواجده حولي ولم أعد خائفاً بعد الآن. لكل منا يومه الذي سيفارق فيه حياته، ولكن يومي لم يحن بعد. ” تباً لك أيها الموت، عليك أن تنتظر قليلاً، فلم يحن وقتي بعد” هذا ما كنت أهمس به أثناء تقوقعي حول نفسي تحت البطانية.

في الصباح وعندما كنت امتلك بعضاً من الطاقة تخولني لقراءة الصحف، كنت أدرك أنني ضيعت معظم حياتي بكوني أنانياً؛ ففي شبابي حظيت بأوقات ممتعة للغاية وكان جلّ اهتمامي يتمحور حول المغامرة القادمة، وهناك العديد من الأشخاص الذين كنت أظنهم أصدقائي، تبين فيما بعد أن قلة منهم هم أصدقاء بالفعل. وأدركت أن ما كنت أحتاجه فعلا هو بضعة أشخاص جيدين فقط، والباقي فليذهبوا إلى الجحيم. وأدركت أنني ضيعت الحاضر إما بالعيش في الماضي أو التخطيط للمستقبل، آه كم كنت شاباً غبياً! وها أنا الآن يقيدني مرض السرطان الذي جعلني اجتاز مراحل من الصبر لم أحسب أبداً أنها موجودة، واضطرني إلى مواجهة كل شيطان يتربص بي في الظلام، ولكن ولا أي شيطان ولا حتى إبليس نفسه يستطيع الإطاحة بي، سأدمرهم جميعاً بالوقوف بشجاعة في وجه كل واحد منهم. وهذا ما قمت به بالفعل، فقد قطعت عهداً على نفسي بأنني وحالما أنجو من الكرب الذي أنا فيه سأقوم بإحداث الفرق الذي لطالما حلمت بالقيام به.

من أنا؟ أعتقد أنني أعلم الإجابة حقاً وآمل موافقة كل تلك التوقعات.

وبينما كانت عقارب ساعة الحائط تتحرك ببطء، كنت أفكر في خلدي كم مرة ستدور عقارب الساعة لتدق في النهاية معلنة تحرري؟! أشعر وكأن حياتي برمتها كانت قلعة رملية ما لبثت أن ارتطمت بها أمواج البحر لتدمرها تماماً تاركة وراءها كومة من الرمال ليس إلا. أنا لست غير هيكل لرجل كنت هو فيما مضى ولم يتبق منه الآن سوى ظلال من ماضٍ مشرق تحت مسمى الذكريات. هل كانت تلك الأيام حقيقية أصلاً؟ هل كنت سعيداً ومحظوظاً بالفعل؟ هل كان كل أمر سهلاً؟ هل كنت أمتلك العديد من الأصدقاء بجد؟ هل كنت أؤمن بكل تلك المثاليات؟ لا شك أنني أستطيع استعادة جسدي ولكن كيف لي أن أجد روحي مجدداً؟ لقد فقدتها في مكان ما في زوبعة لا نهائية من علاج كيميائي وعلاج إشعاعي، وعقاقير تليها. أنا الآن أمتلك دماغاً كيميائياً، ويجب علي القتال عبر الغيوم الضبابية لاستجماع أفكاري.

See Also

وبعدها حصل أغرب شيء ممكن. تقت إلى أغنية كنت أسمعها في طفولتي تدعى “November Rain” لـ “Guns N Roses” وبعدها انتقلت لسماع أغنية Pearl Jam ومن ثم شرعت أتنقل من أغنية لأخرى على موقع اليوتيوب. كانت تلك الأغنيات وكأنها مطرقة تعيد تشكيل ما بداخلي، أغنية تلو الأخرى تعيدني إلى أيام خلت كنت فيها صغيراً وطائشاً، عندما كنت لا أُغلب ولا أُقهر، إلى وقت كان جلّ ما أهتم به هو الاستمتاع باللحظة. وشعرت وكأني وجدت نفسي مجدداً، وقطعت عهداً على نفسي بإبقاء ذاك الرجل اليافع على قيد الحياة مهما كلف الأمر. كان هذا هو الوقت الملائم له ليخرج ويندمج معي ومع شخصيتي الجديدة، والتي تتحلى بالحكمة والتأني والحذر، والتي انبثقت عن رجل خرج من الجحيم وأغلق الباب خلفه. كان ذلك قبل عدة سنين مضت، ولكن طريقي لا زال أمامي، طويلاً ومتعرجاً.

آمل أن أصبح الرجل الذي تخيلت، وألّا أخيب ظنّ ذاك الولد اليافع. من أنا؟ أعتقد أنني أعلم الإجابة حقاً وآمل موافقة كل تلك التوقعات.

This is also available in الإنجليزية if you'd like.

Bahrain-based digital platform and publication for startups in the Middle East. Exclusive events, in-depth workshops, insightful content, and informative news. In strategic partnership with Tamkeen Bahrain, Zain Bahrain, National Bank of Bahrain, Zoho, Tenmou, and StartUp Bahrain.

Startup MGZN © 2020. All Rights Reserved.