في بعض الأحيان نرغب في توفير المال – وبأخذ كل تلك الدعايات والإعلانات والمغريات التي تحيط بنا بعين الاعتبار، عليك أن تكبح جماح نفسك- وأن تبدأ بتوفير المال قبل فوات الأوان.

“أنا لست غنياً كفاية لأبتاع أشياء رخيصة”.. مثل قديم.

كنت أقود سيارتي وأنا مستغرق في التفكير، أقوم دون وعي بتحريك عجلة القيادة الألمانية الخشبية ويدوية الصنع، واستنشق رائحة الجلد المصمم بحرفية، وأنظر إلى الخارج لأرى البنية التحتية المتهالكة. رغم وجود عدد من الحفر الصغيرة إلا أنها لم تؤثر على تعليق الهوائي لدي. أما أدخنة العادم فيصدها فلتر الكربون، وفي الوقت ذاته يقوم ضاعط الهواء ببث النسمات الباردة في أرجاء السيارة. كانت الإيقاعات الموسيقية تصدر من هاتفي الآيفون أمريكي الصنع وتخرج دون أي مجهود من نظام الصوت الياباني وكأنه السحر؛ باستخدام تكنولوجيا البلوتوث والتي تم تطويرها في إحدى البلدان البعيدة.

عن يميني أرى المباني المتداعية والأضواء الصدئة، وحديقة تحتوي أرجوحة عاف عليها الزمن، تسخر من طفلين اثنين يحاولان الاستمتاع واللعب. انتهى بهما المطاف يطارد أحدهما الآخر ومن حولهما تلك الألعاب الصدئة المهجورة. دست على دواسة الوقود لينطلق المحرك الألماني دون أدنى جهد وينتقل من سرعة 40 إلى 100 كم/ساعة. على يميني أرى مساحات يغطيها العشب الأصفر يتخلله بعض العشب الأخضر وكأنه يحاول النجاة لأسبوع آخر دون أن يُسقى بالماء. أما المبنى العام في الخلف فقد استسلم بالفعل واستغنى عن الطلاء الذي كان يغطيه بالكامل: ليظهر هيكله الرمادي محدقاً بي بحزن عبر تلك النوافذ المغبرة وكأنه يتوسل إليّ لأوليه اهتمامي. وفي الداخل تسنى لي رؤية الصنابير التي تسرب المياه، تشاكل قطراتها الدموع التي تنهمر بهدوء وروية وتتجه نحو المصرف دون أن يلحظها أحد، تهدر آلاف الغالونات سنوياً، وأسفلها ملصق باهت كتب عليه “صنع في الصين”.

وأثناء تجولي في أرجاء ونواحي البحرين ومشاهدتي للمباني، والمراكز التجارية، والأضواء، والحمامات، لحظت تدنياً شديداً في الجودة ما ينذر بالخطر. فعلامات المرور الجديدة تصيّرها الشمس الحارقة إلى اللون البني خلال أشهر. حتى المباني الجديدة فطلاؤها تشقق، والتمديدات والأنابيب الخارجية فيها تآكلت بفعل الصدأ. حتى أضواء الشوارع الجديدة والتي قامت الحكومة بتركيبها تحولت إلى اللون الأصفر وظهرت عليها علامات الصدأ، رغم أنها تجاور نظيراتها من الأضواء التي تم تركيبها في السبعينات والتي لا تزال تقف شامخة قوية ولامعة كأنها جديدة.

أدت موجة المنتجات الصينية التي غزت الأسواق إلى تغيير جذري في عقلية المستهلك. فكل ما نهتم به الآن هو السعر، نرغب في شراء الأرخص ونرغب في شرائه الآن، وبعدها نفكر بالجودة. فالأمر يتعلق بالشراء السريع في هذا العالم المتغير، إذ تظهر منتجات جديدة في كل ثانية تَعِدُ المستهلكين بالقيام بالأداء ذاته بسعر أقل: ولكن هذا لن يحدث. وكما هو الحال فلن يستطيع فريق من العمالة الوافدة الرخيصة بناء حتى جدار بالكفاءة ذاتها التي يتحلى بها فريق محترف مؤهل من البنّائين.

فالأسعار المنخفضة هي فخ يقع فيه الضعاف، وهو فخ علينا أن نكون حذرين من الوقوع فيه.

See Also

قد نقوم بتوفير بضعة دنانير بشرائنا الطلاء أو البراغي الأرخص. ولكن هذا الطلاء لن يدوم طويلاً، كما أن تلك البراغي مصيرها أن تتآكل بالصدأ. وأمور صغيرة كهذه تؤثر دون شك على جودة المشروع ككل، وقبل أن تلحظ الأمر ترى نفسك تدفع مئات إن لم يكن آلاف الدنانير للترميم والإصلاح؛ لذلك علينا أن نتوقف عن إضاعة الوقت في الصيانة، والتركيز على التقدم والتطور. وقد كنت أجد نفسي أحيانا أتبضع وأشتري معدات لأحد مشاريعي بأسعار غير واقعية. “الصفقات التي تتميز بأسعار رخيصة غير معقولة لتكون حقيقية” هي بالفعل كذلك، لأجد نفسي في النهاية أستبدل تلك المعدات في وقت مبكر للغاية. ولا شك أنني خسرت مبالغ مالية كثيرة من خلال ابتياعي للمنتجات الرخيصة. ويماثلني في ذلك القائمون على المناقصات الحكومية والذين يراعون السعر بدلاً من المواصفات والجودة.

وأقول لممثلي الحكومة ولمؤسسات القطاع الخاص الأمر ذاته: عليكم الاهتمام بالجودة دوماً، ولا تغركم الأسعار المنخفضة.

  وبما أن البحرين الآن تتجه نحو إجراءات تقشفية، فالإنفاق الأقل لا يوفر المال بالضرورة، لأنني متأكد من أنه سينتهي بنا المطاف ببنية تحتية متهالكة (دون أن نستطيع صيانتها) أو أننا سننفق على الصيانة ما يزيد على ما وفرناه في البداية. لذا لا تكونوا بخيلين، فنحن لسنا أغنياء.

This is also available in الإنجليزية if you'd like.

Bahrain-based digital platform and publication for startups in the Middle East. Exclusive events, in-depth workshops, insightful content, and informative news. In strategic partnership with Tamkeen Bahrain, Zain Bahrain, National Bank of Bahrain, Zoho, Tenmou, and StartUp Bahrain.

Startup MGZN © 2020. All Rights Reserved.